السيد عباس علي الموسوي

323

شرح نهج البلاغة

والآثار المحمودة . فتعصّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذّمام ، والطّاعة للبرّ ، والمعصية للكبر ، والأخذ بالفضل ، والكفّ عن البغيّ ، والإعظام للقتل ، والإنصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد في الأرض . واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال ، وذميم الأعمال . فتذكّروا في الخير والشّرّ أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم . فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، وزاحت الأعداء له عنهم ، ومدّت العافية به عليهم ، وانقادت النّعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ، واللّزوم للألفة ، والتّحاض عليها ، والتّواصي بها ، واجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم ، وأوهن منّتهم ، من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصّدور ، وتدابر النّفوس ، وتخاذل الأيدي . وتدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم ، كيف كانوا في حال التّمحيص والبلاء . ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدّنيا حالا . اتّخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، وجرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة وقهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع . حتّى إذا رأى اللّه سبحانه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبتّه ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملكوا حكّاما ، وأئمّة أعلاما ، وقد بلغت الكرامة من اللّه لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم .